من العمل الجمعوي والتجربة السياسية المحلية، إلى رئاسة مجلس عمالة الرباط والجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، ثم خوض الانتخابات التشريعية.. عبد العزيز الدرويش يقدم نموذجاً لمسار تتقاطع فيه الخبرة الميدانية مع المسؤولية المؤسساتية
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تتجه الأنظار في الرباط إلى دائرة شالة، حيث تتنافس عدة أسماء وأحزاب على ثلاثة مقاعد برلمانية. وبين الوجوه التي تحظى باهتمام خاص عبد العزيز الدرويش، رئيس مجلس عمالة الرباط ورئيس الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، الذي اختاره حزب الاستقلال وكيلاً للائحته في هذه الدائرة.
غير أن أهمية ترشيح الدرويش لا تختزل في كونه أحد المتنافسين على مقاعد الدائرة، بل تكمن أيضاً في المسار الذي أوصله إلى هذه المحطة: تجربة بدأت من العمل الجمعوي والتربوي، مروراً بالعمل السياسي المحلي، ثم مسؤوليات داخل المؤسسات المنتخبة، وصولاً إلى رئاسة إحدى أهم المؤسسات الترابية في العاصمة، وإلى مسؤولية وطنية مرتبطة بتمثيل رؤساء مجالس العمالات والأقاليم.
وبذلك، فإن حالة الدرويش تتيح قراءة أوسع تتجاوز الاستحقاق الانتخابي نفسه، وتتصل بالسؤال المتزايد حول طبيعة القيادات العمومية التي يحتاجها المغرب في المرحلة المقبلة.
من الميدان إلى السياسة
بحسب ما صرح به الدرويش في حوار انتخابي حديث، تعود بداياته إلى العمل الجمعوي والتربوي داخل حركة الطفولة الشعبية، وهي تجربة يقول إنها ساهمت في تكوين مجموعة من القيم المرتبطة بالتطوع والتضامن والمبادرة والعمل الجماعي.
ومن هذا المجال انتقل إلى العمل السياسي المحلي، حيث خاض أولى تجاربه الانتخابية سنة 2009، قبل أن يتولى مسؤوليات تدبيرية داخل مقاطعة السويسي.
وتكشف هذه البداية عن عنصر مهم في مساره: الاحتكاك المباشر بالمجتمع وبالمجال المحلي قبل الانتقال إلى مواقع المسؤولية المؤسساتية.
وهو مسار يختلف عن المسارات التي تبدأ من المؤسسات المركزية أو من النخب الحزبية الوطنية، إذ إن العمل المحلي يضع المنتخب منذ البداية أمام قضايا يومية ملموسة، ويجبره على التعامل مع المواطنين والإدارة والمنتخبين والفاعلين المحليين في الوقت نفسه.
من الاتحاد الاشتراكي إلى حزب الاستقلال
يكتسي الانتقال السياسي للدرويش من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى حزب الاستقلال أهمية خاصة في قراءة مساره.
وفي حوار نشرته جريدة «العمق المغربي» في 19 شتنبر 2026، قدم الدرويش روايته الخاصة لهذا الانتقال، موضحاً أنه غادر الاتحاد الاشتراكي سنة 2021، وأنه كان يفكر في اعتزال العمل السياسي قبل أن يقنعه عدد من الأصدقاء والفاعلين السياسيين بمواصلة مساره من داخل حزب الاستقلال. كما ربط اختياره للحزب بما وجده من احتضان داخل قيادته ومناضليه.
ويقدم الدرويش هذا الانتقال باعتباره عودة إلى ما يعتبره «الحزب الأم»، رافضاً توصيفه بالترحال السياسي.
وسواء اتفق المراقب مع هذا التفسير أو قرأ الانتقال من زاوية أخرى، فإن هذه المحطة تظل جزءاً من المسار السياسي للرجل، وتكشف عن قدرته على إعادة بناء موقعه داخل خريطة حزبية جديدة.
محطة 2021.. الصعود إلى رئاسة مجلس عمالة الرباط
شكلت انتخابات 2021 نقطة تحول أساسية في مسار عبد العزيز الدرويش.
فقد قاد لائحة حزب الاستقلال في انتخابات مجلس عمالة الرباط، وحصلت اللائحة على خمسة مقاعد، قبل أن ينتخب الدرويش في 30 شتنبر 2021 رئيساً للمجلس، بحصوله على 19 صوتاً، في سياق التفاهمات التي تشكلت آنذاك بين عدد من الأحزاب لتدبير المؤسسات المنتخبة بالعاصمة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح مجلس عمالة الرباط المجال المؤسساتي الأبرز الذي مارس فيه الدرويش مسؤولية التدبير.
وهنا انتقل المسار من السياسة باعتبارها تمثيلاً وانتخاباً إلى السياسة باعتبارها تدبيراً ومسؤولية مؤسساتية.
فالترؤس الفعلي لمجلس عمالة يفرض التعامل مع الميزانيات، والبرامج، والاتفاقيات، والشراكات، والملفات الاجتماعية، والعلاقات مع مؤسسات الدولة وباقي الجماعات الترابية.
مجلس عمالة الرباط.. مدرسة للقيادة العمومية
تكشف محاضر وأنشطة المجلس خلال الولاية الحالية عن طبيعة الملفات التي وجد الدرويش نفسه مسؤولاً عن تدبيرها.
ففي مارس 2026، ناقش مجلس عمالة الرباط، تحت رئاسته، اتفاقيات للشراكة والتعاون، وبرمجة جزء من الفائض الحقيقي للسنة المالية 2025، إلى جانب التقرير النهائي المتعلق بالتدقيق السنوي للعمليات المالية والمحاسباتية برسم سنتي 2022 و2023، والمنجز من طرف المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية.
وهذه التفاصيل، وإن كانت تقنية في ظاهرها، تكشف شيئاً أساسياً في طبيعة المسؤولية: القيادة الترابية ليست مجرد حضور سياسي، وإنما إدارة لموارد محدودة، وترتيب للأولويات، والتوفيق بين حاجيات اجتماعية متعددة وإمكانات مالية ومؤسساتية محددة.
وهنا تتقاطع تجربة الدرويش مع النقاش العالمي حول تطور القيادة العمومية، حيث أصبحت الخبرة المؤسساتية والقدرة على التدبير والتنسيق عناصر أساسية في تقييم أداء المسؤولين العموميين.
من مجلس الرباط إلى تمثيل رؤساء مجالس العمالات والأقاليم
لم يتوقف المسار عند رئاسة مجلس عمالة الرباط.
فالدرويش يرأس كذلك الجمعية المغربية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، وهي مؤسسة تجمع رؤساء مجالس العمالات والأقاليم وتشتغل على قضايا مرتبطة باللامركزية والتنمية الترابية. ويؤكد الموقع الرسمي للجمعية أن الدرويش يشغل حالياً منصب رئيسها إلى جانب رئاسته لمجلس عمالة الرباط.
وهنا يأخذ المسار بعداً وطنياً.
فالمسؤولية لم تعد مرتبطة بإقليم أو عمالة واحدة، وإنما تضع صاحبها أمام قضايا مشتركة بين مختلف المؤسسات الترابية، وتفرض عليه التواصل مع رؤساء مجالس من مناطق مختلفة، ومواكبة النقاش الوطني حول موقع مجالس العمالات والأقاليم داخل منظومة اللامركزية.
البعد الدولي.. من التدبير المحلي إلى التعاون المؤسساتي
أخذ هذا المسار كذلك بعداً دولياً.
ففي أبريل 2026، شارك الدرويش، بصفته رئيس الجمعية ورئيس مجلس عمالة الرباط، ضمن وفد مغربي في الدورة الخمسين لمؤتمر السلطات المحلية والجهوية التابع لمجلس أوروبا بمدينة ستراسبورغ.
وتضمنت الزيارة لقاءات مع مسؤولين في مؤتمر السلطات المحلية والجهوية وممثلين عن وفود أوروبية، وتركزت النقاشات حول التعاون بين المغرب والمجلس، وقضايا من بينها التغيرات المناخية والإجهاد المائي والهجرة المناخية.
ويضيف هذا الحضور بعداً آخر إلى مساره، يتمثل في التعامل مع قضايا الحكامة الترابية خارج الإطار الوطني.
وهو عنصر أصبح أكثر أهمية في عالم تتزايد فيه الروابط بين التنمية المحلية والتعاون الدولي، خصوصاً في مجالات المناخ والهجرة والاستدامة والتمويل الترابي.
القيادة الهجينة.. قراءة لمسار يتجاوز الحزب
تكشف تجربة الدرويش عن ظاهرة يمكن وصفها، في أدبيات القيادة العمومية، بـالقيادة الهجينة؛ أي الجمع بين موارد وخبرات تنتمي إلى مجالات مختلفة: السياسة، والتدبير الترابي، والعمل المؤسساتي، والعلاقات مع الفاعلين، والتعاون الدولي.
وتشير الأدبيات التي يستند إليها هذا التحليل إلى أن القيادة العمومية الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الانتماء السياسي أو القدرة على التعبئة، بل أصبحت تحتاج إلى الرؤية الاستراتيجية، وقيادة المشاريع، والتنسيق بين المؤسسات، وثقافة الأداء والتقييم، والقدرة على التعامل مع بيئة متعددة الفاعلين.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة الدرويش باعتبارها تراكماً لموارد مؤسساتية مختلفة.
فالمسار الحزبي يمنحه تجربة في العمل السياسي؛ والمسار الانتخابي يمنحه خبرة في التمثيلية؛ ورئاسة مجلس العمالة تمنحه تجربة في التدبير؛ ورئاسة الجمعية الوطنية تمنحه بعداً أوسع في قضايا الجماعات الترابية؛ بينما تفتح المشاركة في المحافل الدولية مجالاً للتفاعل مع التجارب المقارنة.
وهذه العناصر مجتمعة هي التي تجعل المسار مثيراً للاهتمام من منظور دراسة النخب العمومية الجديدة.
الرباط–شالة.. الانتقال إلى اختبار جديد
في غشت 2026، حسم حزب الاستقلال اختياره لعبد العزيز الدرويش وكيلاً للائحته في دائرة الرباط–شالة. ويأتي هذا الترشيح في دائرة تضم ثلاثة مقاعد، بعدما لم يحصل الحزب على أي مقعد فيها خلال انتخابات 2021.
وهكذا يجد الدرويش نفسه أمام انتقال جديد: من تدبير مؤسسة ترابية إلى السعي للحصول على تفويض تشريعي.
وفي حواره الأخير، قال إن الدائرة تضم أقل من 130 ألف مصوت، وإنه اختار خوض المنافسة رغم نصائح تلقاها من بعض الفاعلين السياسيين بالتراجع، معتبراً أن الترشح بالنسبة إليه مرتبط بالاستماع إلى المواطنين وخدمة قضاياهم.
كما حدد في حديث انتخابي حديث مجموعة من الملفات التي يضعها ضمن أولويات سكان الدائرة، ومن بينها السكن وإعادة الهيكلة والتشغيل والبنيات التحتية ودور الشباب.
وتمنح هذه المعطيات للترشح بعداً مختلفاً: الخبرة المؤسساتية السابقة تدخل الآن اختبار التواصل المباشر مع الناخبين والقدرة على تحويلها إلى عرض سياسي وتشريعي.
«دائرة الأمل» بدل «دائرة الموت»
في خطابه الانتخابي، اقترح الدرويش التخلي عن التسمية المتداولة التي تصف الرباط–شالة بـ«دائرة الموت»، داعياً إلى النظر إليها باعتبارها «دائرة الأمل».
وبصرف النظر عن اللغة الانتخابية المستخدمة، فإن هذا الخطاب يكشف عن تصور يريد من خلاله إعادة وضع العلاقة مع الناخبين في إطار مختلف، يقوم على الإنصات والتواصل.
وفي حواره مع «العمق المغربي»، قال إن مرشحي حزب الاستقلال التزموا، قبل خوض الانتخابات، بالحفاظ على التواصل مع المواطنين وعدم استعمال الصفة الانتخابية لأغراض شخصية.
وهذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن التحول في القيادة العمومية لا يرتبط فقط بامتلاك الخبرة، وإنما أيضاً بالقدرة على تحويل الخبرة إلى ثقة وتواصل ومساءلة.
من الشرعية الانتخابية إلى شرعية الأداء.. ثم العودة إلى الصندوق
في هذا السياق، يمكن قراءة تجربة الدرويش ضمن التحول الأوسع في مفهوم القيادة العمومية.
فالشرعية السياسية التقليدية تقوم على الحزب والانتخابات والتمثيلية، وهي عناصر أساسية في الديمقراطية. لكن الحكامة الحديثة أضافت إليها عناصر أخرى، من بينها القدرة على التنفيذ، وإدارة المؤسسات المعقدة، وتنسيق الفاعلين، وخلق القيمة العمومية.
لكن لا ينبغي أن يؤدي هذا التحول إلى الخلط بين الكفاءة المؤسساتية والشرعية الديمقراطية.
فالمسؤول قد يمتلك خبرة كبيرة في التدبير، لكن التفويض السياسي يظل مرتبطاً بصندوق الاقتراع.
ومن هنا تكتسب انتخابات 2026 بالنسبة إلى الدرويش أهمية خاصة: فهي لا تمثل فقط منافسة انتخابية جديدة، بل تشكل اختباراً جديداً لمسار مؤسساتي راكم خلال سنوات.
هل نحن أمام ملامح قيادة عمومية جديدة؟
ربما تكمن أهمية مسار عبد العزيز الدرويش في أنه يسمح بطرح سؤال يتجاوز شخصه.
فالمغرب يعيش مرحلة تتقاطع فيها الجهوية المتقدمة، وإصلاح الإدارة، والتحول الرقمي، وتحديات المالية العمومية، والتنمية الترابية، والاستعداد للاستحقاقات الدولية الكبرى.
وفي مثل هذه البيئة، تحتاج المؤسسات إلى مسؤولين قادرين على فهم التعقيد، والعمل بين مستويات متعددة من الدولة، والتعامل مع المنتخبين والإدارة والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.
وهنا يصبح الرأسمال المؤسساتي عنصراً مهماً في تشكيل النخب العمومية.
وإذا كانت التجارب السابقة في السياسة المغربية قد أظهرت قيمة النضال الحزبي والتمثيلية والقدرة على التعبئة، فإن المرحلة المقبلة قد تفرض، إلى جانب هذه العناصر، قيمة إضافية تتمثل في القدرة على إدارة المؤسسات وقيادة المشاريع وصناعة التنسيق بين الفاعلين.
وهذا تحديداً ما يجعل مسار عبد العزيز الدرويش جديراً بالرصد.
ليس لأنه يمكن الجزم اليوم بموقعه في المستقبل السياسي المغربي، وإنما لأن تجربته توفر نموذجاً عملياً لدراسة كيف يمكن أن تتشكل القيادة العمومية من خلال تراكم التجارب المحلية والمؤسساتية والوطنية والدولية.
من شالة إلى أفق أوسع
يبقى الاستحقاق الانتخابي في الرباط–شالة هو المحطة المباشرة التي سيخضع لها هذا المسار.
فالانتخابات ستحدد التمثيلية، والناخبون سيحسمون في الاختيار، بينما ستحدد المرحلة اللاحقة طبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به كل منتخب.
لكن بعيداً عن نتيجة الاقتراع، فإن مسار الدرويش يقدم مادة مهمة لفهم تحول أوسع في المشهد المغربي: بروز شخصيات سياسية لا تُقاس تجربتها فقط بعدد السنوات داخل الأحزاب، وإنما أيضاً بما راكمته داخل المؤسسات من خبرة في التدبير والتنسيق والعمل الترابي.
ومن العمل الجمعوي إلى السياسة المحلية، ومن مقاطعة السويسي إلى رئاسة مجلس عمالة الرباط، ومن تمثيل العاصمة إلى رئاسة جمعية وطنية لرؤساء مجالس العمالات والأقاليم، ومن التعاون الترابي الوطني إلى الانفتاح على التجارب الأوروبية، ثم إلى خوض الانتخابات التشريعية في دائرة الرباط–شالة، يتشكل مسار متعدد الحلقات.
وإذا كان من المبكر إطلاق أحكام حول المستقبل السياسي لعبد العزيز الدرويش، فإن الأكيد أن تجربته أصبحت جزءاً من النقاش حول تجدد النخب والقيادة العمومية في المغرب.
فالرهان في السنوات المقبلة لن يكون فقط على من يمتلك الشرعية الانتخابية، وإنما أيضاً على من يستطيع تحويل هذه الشرعية إلى أداء مؤسساتي، وتحويل الخبرة إلى سياسات عمومية، وتحويل المواقع إلى قيمة مضافة للمواطنين.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي لأي قيادة عمومية: ليس فقط الوصول إلى المؤسسة، وإنما القدرة على جعل المؤسسة أكثر فعالية، وأكثر قرباً من المواطن، وأكثر قدرة على الاستجابة لتحولات المجتمع والدولة.
سعد بوعشرين : رئيس المعهد الدولي للحكامة
