بين أجل قانوني محدد في 20 أكتوبر واستمرار مشاورات تشكيل الحكومة إلى منتصف الشهر، يجد المغرب نفسه أمام مرحلة انتقالية لا يتطابق فيها الزمن السياسي مع الزمن الميزانياتي. وستكون الحكومة المرتقبة مطالبة بالتوفيق بين استمرارية المالية العمومية، والالتزامات السابقة، والرغبة في ترجمة أولوياتها إلى قرارات ملموسة.
الأجندة الميزانياتية لا تنتظر انتهاء المفاوضات السياسية
يفتح تشكيل أغلبية حكومية جديدة مرحلة سياسية، لكنه لا يوقف سير المؤسسات ولا يعلّق الآجال المحددة لتدبير شؤون الدولة. ففي منتصف أكتوبر 2026، وبينما لا يزال توزيع الحقائب الوزارية في صلب المشاورات، يفرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 إيقاعه الخاص.
المسألة واضحة: يتعين إيداع المشروع لدى مجلس النواب في أجل أقصاه 20 أكتوبر، طبقاً للمادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية. غير أنه، إلى غاية 15 أكتوبر، كانت فاطمة الزهراء المنصوري، التي عُيّنت رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر، لا تزال مكلفة بتشكيل فريقها الحكومي. أما الأغلبية المكونة من حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، فقد أُعلن عنها يومي 12 و13 أكتوبر، أي قبل أيام قليلة من انتهاء الأجل القانوني.
ويضع هذا التزامن المرحلة الانتقالية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن منح الأولويات السياسية الجديدة ترجمة ميزانياتية فعلية، في الوقت الذي انطلقت فيه عملية إعداد الميزانية قبل أشهر؟
إن الأمر لا يتعلق بمجرد احترام أجل قانوني، بل بقدرة الجهاز التنفيذي الجديد على تحديد اختياراته، وتقدير تكلفتها، وإدراجها ضمن مسار مالي متماسك.
ميزانية أُعدّت قبل الانتخابات
لم ينتظر إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 نتائج الانتخابات للدخول في مرحلته التحضيرية. فقد نشرت وزارة الاقتصاد والمالية مذكرة توجيهية بتاريخ 12 غشت، أعقبها تقرير حول تنفيذ الميزانية والتأطير الماكرو-اقتصادي بتاريخ 11 شتنبر. كما نُشرت، في 22 شتنبر، وثيقة تقديمية للميزانية المواطنة تتناول تنفيذ ميزانية سنة 2026 وآفاق الفترة 2027-2029.
ويكشف هذا التسلسل الزمني عن معطى أساسي: كانت الإدارات تعمل بالفعل على التوجهات الميزانياتية والفرضيات الاقتصادية والبرمجة متعددة السنوات قبل انتخابات 23 شتنبر.
لكن من الضروري التمييز بين الإعداد الإداري والحسم السياسي النهائي. فنشر وثيقة تأطيرية لا يعني أن جميع الاعتمادات والنفقات قد حُسمت نهائياً، أو أن التحكيمات الميزانياتية أصبحت غير قابلة للمراجعة، أو أن الحكومة المقبلة فقدت كل إمكانية للتدخل.
ففي هذه المساحة الفاصلة بين عمل إداري انطلق بالفعل وقرارات سياسية لا تزال قابلة للتحكيم، تكمن هوامش المناورة الحقيقية للحكومة الجديدة.
ويخضع الإعداد الميزانياتي لمنطق الاستمرارية. إذ يتعين على القطاعات الوزارية استباق حاجياتها، وتقييم نفقاتها، وإدراج مقترحاتها ضمن برمجة تتلاءم مع الموارد المتاحة. ولا تعني الانتقالية السياسية إلغاء هذا العمل وإعادة إعداده من نقطة الصفر.
غير أن استمرارية الإدارة لا تعني بالضرورة الاستمرارية الكاملة للاختيارات السياسية. فبإمكان حكومة جديدة إعادة النظر في بعض الأولويات، مع مراعاة المساطر القانونية المعمول بها، والوقت المتاح، والآثار المالية المترتبة عن قراراتها.
20 أكتوبر: أجل قانوني لا يعني منعاً عاماً لتعديل المشروع
تحدد المادة 48 من القانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية يوم 20 أكتوبر أجلاً أقصى لإيداع المشروع لدى مجلس النواب. ويؤطر هذا الأجل إعداد الميزانية وانتقالها إلى المسطرة البرلمانية.
كما يحدد الدستور اختصاصات متميزة لمختلف الهيئات الحكومية. فالمادة 49 تتعلق، على الخصوص، بتداول المجلس الوزاري، فيما تؤطر المادة 92 اختصاصات مجلس الحكومة. ويتعين احترام العلاقة بين هذه المراحل في إعداد المشروع.
وبالتالي، فإن الضغط الزمني حقيقي. ولا يمكن التعامل مع إعادة توجيه الميزانية باعتبارها مجرد إعلان سياسي؛ إذ يتعين دراسة كل تعديل جوهري وتحديد تكلفته وإدماجه ضمن تصور متماسك.
لكن حلول أجل 20 أكتوبر لا يعني، في حد ذاته، أن المشروع الذي أُعد في عهد الحكومة السابقة يجب أن يُعتمد دون أي تغيير. فالمسألة تتعلق بالتعديلات الممكنة قانونياً والقابلة للتنفيذ عملياً قبل إيداع المشروع.
إن مراجعة شاملة للأولويات والنفقات والمداخيل تتطلب عملاً مهماً. وفي المقابل، قد يكون من الممكن إجراء بعض التحكيمات المحددة إذا أمكن ضبط نطاقها وتقييم آثارها واستكمال الإجراءات اللازمة داخل الآجال المتاحة.
وهكذا، فإن الصعوبة التي ستواجه الحكومة المرتقبة لا تكمن في إعلان القطيعة مع اختيارات سابقة، بل في تحديد القرارات التي تستطيع اتخاذها فعلياً دون الإخلال بتوازن المشروع.
هوامش مناورة تحدّ منها بنية المالية العمومية
لا تقتصر الاختيارات الميزانياتية على توزيع الاعتمادات بين الأولويات السياسية، بل ترتبط أيضاً ببنية النفقات ومستوى المداخيل والالتزامات التي سبق للدولة أن تعهدت بها.
فأجور الموظفين، وخدمة الدين العمومي، والبرامج الاجتماعية، والتحويلات، والاستثمارات التي دخلت مرحلة التنفيذ، لا تتمتع جميعها بالدرجة نفسها من المرونة. فبعض النفقات ناتج عن التزامات قانونية أو تعاقدية، بينما يرتبط بعضها الآخر باختيارات سياسية قد تتطلب مراجعتها تحكيمات أو مفاوضات أو تعديلات عملية.
وتضيف البرمجة الثلاثية للفترة 2027-2029 بُعداً آخر إلى هذه المعادلة. فالقرارات المتخذة برسم سنة 2027 ينبغي تقييمها أيضاً في ضوء آثارها على السنتين المواليتين. وقد يؤدي إجراء يستجيب لحاجة آنية، لكنه يُحدث أعباء مستمرة دون تحديد مصادر تمويلها، إلى تعقيد المسار الميزانياتي في المستقبل.
لذلك، فإن الأولويات التي تحظى باهتمام واسع في النقاش العمومي، مثل القدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والاستثمار، تحتاج إلى ترجمة مالية دقيقة. فإدراجها ضمن برنامج سياسي لا يضمن، في حد ذاته، توفير التمويل اللازم لها.
وسيكون على الأغلبية الجديدة تحديد التدابير التي يمكن إدراجها بسرعة، وتلك التي تستدعي إعادة توزيع الاعتمادات، وتلك التي تحتاج إلى إعداد أطول. كما يتعين عليها التمييز بين الإعلانات المبدئية والالتزامات الممولة فعلياً.
وهنا يتضح الفرق بين هامش المناورة السياسية وهامش المناورة الميزانياتية. فالأول يسمح بتحديد الأولويات، أما الثاني فيرتبط بالموارد المتاحة، والالتزامات القائمة، والمساطر التي تؤطر عمل الدولة.
تجربة 2021: احترام الأجل مع ضرورة الحذر في المقارنة
تقدم تجربة سنة 2021 معطيات مفيدة. فبعد الانتخابات التشريعية التي جرت في شتنبر، تولت حكومة عزيز أخنوش المسؤولية خلفاً لحكومة سعد الدين العثماني، في وقت كان فيه إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2022 قد انطلق بالفعل.
وتؤكد أرشيفات مجلس النواب أن مشروع قانون المالية لسنة 2022 أُودع يوم 18 أكتوبر 2021، أي قبل يومين من انتهاء الأجل القانوني. كما عرضت وزارة الاقتصاد والمالية توقعات تتعلق بنمو اقتصادي قدره 3.2 في المائة وعجز في الميزانية بلغ 5.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وتبين هذه السابقة أن الانتقال السياسي يمكن أن يتزامن مع احترام الأجندة الميزانياتية، وأن الحكومة الجديدة تستطيع تحمل المسؤولية السياسية عن مشروع أُعد قبل وصولها إلى السلطة.
لكن ذلك لا يسمح بالاستنتاج أن الوضعيتين متطابقتان. فالمقارنة تقتضي مراعاة التسلسل الزمني الدقيق للتعيينات، ومستوى تقدم الأعمال التحضيرية، والتحكيمات التي سبق اتخاذها، والقيود الاقتصادية الخاصة بكل سنة مالية.
وعليه، فإن الدرس الأساسي يظل محدداً: الإعداد المسبق لمشروع الميزانية لا يمنع بالضرورة الحكومة الجديدة من تحمل مسؤولية اختياراته، لكنه قد يقلص الوقت المتاح أمامها لإعادة النظر في بنيته العامة.
بعد الإيداع، يستمر النقاش حول الميزانية
يشكل يوم 20 أكتوبر محطة مهمة، لكنه لا يمثل نهاية المسطرة الميزانياتية. فبعد إيداع المشروع، يدخل مساره البرلماني، حيث تتدخل اللجان والنواب والحكومة وفقاً للقواعد الدستورية والتنظيمية المعمول بها.
ولا تتمتع إمكانية تقديم التعديلات بحرية مطلقة. إذ يتعين، على وجه الخصوص، فحص مدى قبول التعديلات من الناحية المالية وفقاً للمقتضيات الدستورية والتنظيمية ذات الصلة. ولذلك، سيكون من غير الدقيق اعتبار أن الأغلبية البرلمانية تستطيع إعادة صياغة جميع مقتضيات المشروع بحرية بعد إيداعه.
وثمة إمكانية أخرى خلال السنة المالية، تتمثل في قانون المالية التعديلي. وتتيح هذه الآلية، وفق الشروط المنصوص عليها في النصوص القانونية، تعديل بعض المقتضيات المالية التي سبق اعتمادها. غير أن وجود هذه الإمكانية لا يعني بالضرورة أن الحكومة ستحتاج إليها أو أنها تعتزم اللجوء إليها.
وتفتح هذه المراحل المختلفة مجالات متباينة لاتخاذ القرار. فقبل الإيداع، يمكن للجهاز التنفيذي السعي إلى تعديل المشروع. وأثناء المناقشة البرلمانية، تخضع التغييرات لقواعد المسطرة التشريعية. وبعد الاعتماد، قد يتيح التنفيذ واستخدام الآليات التي ينص عليها القانون الميزانياتي إجراء تعديلات إضافية.
وهكذا، فإن قدرة الحكومة الجديدة على إبراز بصمتها لا تتوقف حصراً على الأيام القليلة التي تسبق 20 أكتوبر، بل ترتبط أيضاً بمدى اتساق تحكيماتها وبكيفية تدبيرها للمسطرة الميزانياتية في مجموع مراحلها.
الانتقال الحكومي واستمرارية المؤسسات
يستدعي الوضع، أخيراً، قدراً خاصاً من الحذر القانوني. فإذا تجاوز تشكيل الحكومة أجل 20 أكتوبر، فسيكون من الضروري تحديد اختصاصات الحكومة المنتهية ولايتها والقواعد المطبقة لضمان استمرارية الدولة.
ولا ينبغي التعامل مع مفهوم تصريف الأعمال باعتباره قاعدة عامة تسمح بالاستنتاج، دون فحص النصوص، أن جميع القرارات الميزانياتية الكبرى تصبح ممنوعة خلال المرحلة الانتقالية. بل يتعين تحديد الأساس القانوني المعمول به، وطبيعة القرار المزمع اتخاذه، والحدود المحتملة للاختصاصات التي تمارس خلال هذه الفترة.
وبالمثل، لا يسمح مجرد احتمال التأخر في إيداع المشروع بافتراض النتائج المؤسساتية أو المالية التي قد تترتب عنه. فهذه المسائل ينبغي تناولها انطلاقاً من المقتضيات القانونية ذات الصلة، وليس من خلال إسقاط آلي لتجربة سابقة على الوضع الحالي.
إن استمرارية المؤسسات، وانتظام المسطرة الميزانياتية، وقدرة الحكومة الجديدة على تحمل مسؤولية قراراتها، ثلاثة أبعاد مترابطة لكنها ليست متطابقة.
أول ميزانية باعتبارها اختباراً للانسجام السياسي
سيشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مؤشراً على طبيعة العلاقة بين برنامج الأغلبية الجديدة والقيود العملية التي تؤطر العمل العمومي. وستكون الحكومة مطالبة بالتوفيق بين انتظارات اجتماعية قوية، واستمرارية التزامات الدولة، وضرورة الحفاظ على مسار مالي قابل للاستدامة.
ولن تقاس قدرتها على إبراز بصمتها بعدد التعديلات التي ستدخلها على المشروع الأصلي فحسب، بل كذلك بوضوح الأولويات المعتمدة، وجودة تمويلها، وقابليتها للتنفيذ، ومدى ترجمتها إلى نتائج فعلية أثناء تنفيذ الميزانية.
فقد تصبح الميزانية التي أُعد جزء كبير منها قبل الانتقال السياسي أرضية لتحكيمات جديدة. غير أن هذه التحكيمات لا تكتسب معناها الحقيقي إلا إذا كانت محددة بما يكفي لتقدير تكلفتها، ومستندة إلى أساس قانوني، وقابلة للتنفيذ الفعلي.
وبين الزمن السياسي والزمن الميزانياتي، يتمثل التحدي الذي تواجهه الحكومة المرتقبة في تحويل هامش مناورة محدود إلى قرارات متماسكة. فالآجال تفرض قيوداً، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية توضيح اختياراتها وتبريرها أمام المواطنين وممثليهم.
