بقلم سعد بوعشرين: رئيس المعهد الدولي للحكامة
- معمار جديد للحكامة وأدوار الفاعلين
في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيواقتصادية متسارعة وتتزايد فيه تطلعات المواطنين إلحاحاً، وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس خطاباً تاريخياً أمام البرلمان يحدد التوجهات الأساسية لولاية تشريعية وحكومية جديدة تُرفع فيها شعارات الاستعجال والنجاعة والسيادة، ليرسم بذلك معالم مغرب أكثر مرونة وعدالة وقوة. ولا يكتفي هذا الخطاب الملكي برسم الأهداف فحسب، بل يضع اللبنات الأساسية لمعمار جديد للحكامة يربط بين ثلاثة أبعاد جوهرية تتمثل في الفاعلين والهياكل والعمليات. فمن حيث الفاعلين، يخاطب جلالته البرلمانيين لمواكبة المسؤولية الوطنية، والقطاع الخاص للرفع من ابتكاره وخلق فرص الشغل، والجهات لتفعيل التنمية الترابية، مع وضع الشباب في صدارة اهتمامات هيئات الحكامة والسياسات العمومية. أما على مستوى الهياكل، فيرسم الخطاب بنية ثلاثية المستويات تحتفظ فيها السلطة المركزية بالتوجيه الإستراتيجي، وتكتسب فيها الجهات المزيد من الاختصاصات والموارد عبر ميثاق اللاتمركز الإداري، بينما تنظم آليات التنسيق والتعاقد العلاقات بين الدولة والمجالات الترابية، لتتجلى العمليات في التخطيط الإستراتيجي والتنسيق بين القطاعات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
- التميز التشغيلي والمسؤولية الدستورية
ويتخلل الخطاب الملكي اشتراط واضح للتميز والنجاعة التشغيلية؛ حيث يدعو جلالته إلى الإسراع بالرفع من قدرات المملكة في مجال تكوين المخزون الإستراتيجي، وتأمين التزود بالمواد الأساسية، وتفعيل مشاريع البنيات التحتية المبرمجة، وإطلاق جيل جديد من الإستراتيجيات الكبرى في قطاعات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والبروز الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي. وتعتمد هذه الدينامية على السرعة في التنفيذ، وتفعيل المشاريع، وتعزيز دور القطاع الخاص، بهدف تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية وجيواستراتيجية ملموسة. وفي إطار التقسيم الدستوري للأدوار، يترك الملك للسلطة التنفيذية مهمة تحديد آليات قياس هذه النتائج وتطوير أدوات التتبع والتقييم، مؤكداً على جوهر العقد الأخلاقي والسياسي الذي يضع الجميع أمام مسؤوليتهم أمام الله والمواطنين والتاريخ.
- مرونة الإستراتيجية والعمل التشاركي
وتقع القدرة على استيعاب الطلب الاجتماعي في قلب الانشغالات الملكية، من خلال التركيز على قضايا الشباب والشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية وتكافؤ الفرص وجودة الخدمات العمومية. وللاستجابة لهذه المتطلبات، يقترح الخطاب آليات مرنة تتجلى في الجهوية المتقدمة، واللاتمركز الإداري، والتعاقد، والمقاربة الترابية الكفيلة بتشخيص المشاكل الحقيقية لكل جهة وإيجاد حلول واقعية لها، إلى جانب وضع رؤية متكاملة للشباب تشمل التعليم والتأهيل والاندماج الاقتصادي. ورغم الإقرار الضمني بوجود كوابح تعرقل هذه المرونة الإستراتيجية — كالتأخير والاختلالات التي تعيق اللامركزية، ونقص الموارد المالية والبشرية، وغياب الوضوح في الاختصاصات — فإن الخطاب يعزز منطق العمل التشاركي والقيادة المشتركة بين الدولة والجهات والقطاع الخاص والشركاء الدوليين من أجل تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس.
- التوجه نحو الأثر والتحليل الهيكلي
ويتجسد العمل العمومي الموجه نحو الأثر من خلال تحديد أهداف واضحة ومخرجات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية محددة. وبموجب توزيع الاختصاصات الدستورية، ينيط الخطاب بالجهاز التنفيذي مسؤولية تحديد مؤشرات النتائج والأهداف الكمية وإنشاء نظام تقييم مستقل وإصدار تقرير سنوي عن أثر السياسات العمومية. ويعكس التحليل الهيكلي لمضامين الخطاب وجود عناصر قوة متينة تتمثل في الاستقرار المؤسساتي، والهوية الوطنية القوية، والمكتسبات الدبلوماسية، وإمكانيات الشباب؛ في مقابل نقاط ضعف تتطلب المعالجة، كالبطء في تفعيل اللامركزية ومحدودية بعض أطر التعاون. وعلى الرغم من التحديات والمخاطر الجيوسياسية والاجتماعية وضغوط الهجرة والأزمات المتكررة، فإن الخطاب يبرز فرصاً استثنائية حافلة بالتحولات الجيواقتصادية والشراكات الدولية والتحول الرقمي والطاقي.
- إدارة المخاطر وتحديث الحكامة
وفي هذا السياق، يوجه الخطاب الملكي الحكومة صراحة نحو اعتماد أفضل الممارسات المرجعية العالمية في مجالات المراقبة الداخلية، وإدارة المخاطر، والتدقيق الخارجي، لضمان الحكامة الجيدة والنجاعة المؤسساتية. ويتطلب التعاطي مع مخاطر التأخير، والتبعيات الإستراتيجية، والضغوط الخارجية، وضع إطار رسمي لإدارة المخاطر، وإدماج المعايير المرجعية الدولية، وتدعيم دور المجلس الأعلى للحسابات، ومأسسة عمليات تدقيق الأداء لجميع المشاريع الكبرى.
- رهان التنفيذ والمسؤولية الجماعية
وفي الختام، يمثل الخطاب الملكي وثيقة استراتيجية توفق بين الرؤية الطموحة والسيادة والنجاعة التشغيلية. وعلى الرغم من التحديات القائمة بين الطموح والقدرة التنفيذية أو بين الاستعجال والمساطر الإدارية، فإن الأولويات الاستراتيجية تبدو واضحة في تسريع الجهوية المتقدمة، وتأمين الموارد، ودعم الشباب، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتثبيت دعائم المحاسبة والدفاع عن السيادة الوطنية. وسيتوقف نجاح هذه الخارطة الاستراتيجية على قدرة الحكومة المقبلة على تحويل التوجيهات الملكية إلى قرارات وإجراءات ملموسة تخدم المواطن وتعزز مكانة المغرب.
