بين طموحات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، يظل نجاح البرنامج الحكومي رهيناً بتوفير التمويل اللازم، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية، واعتماد آليات فعالة لتتبع الإنجاز وقياس أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين.
يحمل البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 مجموعة من الطموحات التي تهم قضايا أساسية في حياة المغاربة، من قبيل القدرة الشرائية، وتشغيل الشباب، وجودة الخدمات العمومية، ومحاربة الفساد، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة.
كما يتضمن توجهات تتعلق بتطوير الاستثمار، والطاقات المتجددة، والأمن المائي، والسياحة، ودعم التنمية على المستوى الترابي. وهي مجالات تعكس تعدد الأوراش المطروحة أمام الدولة خلال السنوات المقبلة، وحجم الانتظارات المرتبطة بها.
غير أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما يتضمنه البرنامج من أهداف، بل بكيفية تحويل هذه الأهداف إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فالتحدي الحقيقي لأي برنامج حكومي لا يكمن في إعلان الالتزامات فحسب، بل في القدرة على توفير الموارد المالية اللازمة، وتنسيق عمل الإدارات والمؤسسات المعنية، واحترام الآجال المحددة، والتدخل لتصحيح الاختلالات عندما لا تحقق السياسات العمومية النتائج المنتظرة.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح البرنامج الحكومي 2026-2031 لن يتوقف على طبيعة الأهداف المعلنة وحدها، بل سيرتبط أيضاً بجودة الحكامة المعتمدة لتنفيذها.
أولاً: طموحات مهمة، لكن كيف يمكن قياس النتائج؟
يتناول البرنامج الحكومي مجالات تستجيب لانشغالات حقيقية لدى المواطنين. فهو يراهن على تعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين فرص إدماج الشباب في سوق الشغل، وتطوير الطاقات المتجددة، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتقوية دور الجهات في التنمية.
وفي المجال الاجتماعي، تثير الالتزامات المتعلقة بالدعم المباشر والمعاشات وتحسين ظروف العيش سؤالاً أساسياً: هل ستؤدي هذه التدابير إلى تحسين مستدام في مستوى معيشة الأسر؟
وفي مجال التشغيل، تعكس الأهداف المرتبطة بالتكوين والتدرج المهني واكتساب التجربة الأولى إرادة لتسهيل ولوج الشباب إلى سوق العمل.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الرهان على النمو والاستثمار والسياحة يفترض أن يترجم إلى خلق الثروة وتوسيع فرص الشغل وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.
لكن الإعلان عن هدف لا يعني بالضرورة أن شروط تحقيقه أصبحت متوفرة.
فعلى سبيل المثال، لا يكفي قياس نجاح برامج تكوين الشباب بعدد المستفيدين منها. فمن الضروري أيضاً معرفة عدد الذين تمكنوا من الحصول على عمل بعد التكوين، وعدد الذين حافظوا على وظائفهم، ومدى توافق المهارات المكتسبة مع حاجيات المقاولات وسوق الشغل.
وينطبق الأمر نفسه على مشاريع البنية التحتية والبرامج الاجتماعية والاستثمارات الموجهة إلى الجهات.
إن نجاح السياسة العمومية لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تنفقها الإدارة أو بعدد المشاريع التي تنجزها، بل كذلك بالتغيير الذي تحدثه في حياة المواطنين.
لذلك، ينبغي أن يقوم تقييم البرنامج على التمييز بين الموارد المرصودة، والإنجازات المحققة، والنتائج الفعلية التي يستفيد منها المواطنون.
ثانياً: التمويل العمومي.. هل تتناسب الالتزامات مع الإمكانات المالية؟
لكل طموح حكومي تكلفة مالية. ومن ثم، فإن مصداقية البرنامج ترتبط بمدى الانسجام بين الالتزامات المعلنة والموارد المتاحة لتمويلها.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في المجال الاجتماعي، لأن بعض التدابير لا تقتصر تكلفتها على سنة واحدة. فالدعم المالي الموجه إلى الأسر أو تحسين المعاشات يترتب عنهما إنفاق متكرر يتعين توفير موارده كل سنة، مع الأخذ بعين الاعتبار تطور عدد المستفيدين والحاجيات الاجتماعية الأخرى.
وينطبق الأمر ذاته على الاستثمار في الماء والطاقة والصحة والتعليم والبنيات التحتية. فتكلفة المشروع لا تتوقف عند بنائه أو تجهيزه، بل تشمل أيضاً نفقات التشغيل والصيانة والموارد البشرية وتجديد المعدات.
وقد تتمكن الدولة من تمويل إنشاء منشأة معينة، دون أن تكون الموارد الضرورية لتشغيلها وصيانتها مستقبلاً مضمونة بالقدر الكافي.
لهذا، ينبغي أن تضطلع قوانين المالية بدور محوري في تنزيل البرنامج الحكومي. فلا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد وثائق محاسباتية تحدد المداخيل والنفقات، بل باعتبارها أدوات لترجمة الأولويات الحكومية إلى اعتمادات مالية وبرامج قابلة للتنفيذ.
ويتطلب ذلك أن يكون لكل التزام رئيسي تقدير واضح لتكلفته الإجمالية، وجدولة زمنية للنفقات المرتبطة به، وتحديد لمصادر التمويل، إلى جانب تقييم للمخاطر التي قد تعرقل تنفيذه.
كما تبرز الحاجة إلى برمجة مالية متعددة السنوات، تسمح بالتأكد من أن الاعتمادات المخصصة خلال سنوات 2027 و2028 و2029، مثلاً، تنسجم مع الأهداف المطلوب بلوغها في أفق 2031.
وتزداد أهمية هذه المقاربة في ظل تعدد الحاجيات، من تمويل البرامج الاجتماعية إلى دعم الاستثمار، مروراً بتطوير الخدمات العمومية وتقليص الفوارق المجالية والحفاظ على توازنات المالية العمومية.
ولا يعني هذا الحد من طموحات البرنامج، بل توفير الأساس المالي الذي يسمح بتنفيذها وتجنب تأجيل بعض الالتزامات أو تقليصها أو التخلي عنها خلال الولاية الحكومية.
فمصداقية الالتزام الحكومي لا ترتبط فقط بما يعد به، بل أيضاً بوضوح التمويل الذي سيتيح الوفاء به.
ثالثاً: من المسؤول عن التنفيذ؟ ضرورة توضيح الاختصاصات والمحاسبة
يتطلب تنفيذ برنامج حكومي بهذا الحجم تعبئة عدد من القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات الشريكة.
ويعد هذا التنوع أمراً طبيعياً، لأن القضايا المطروحة مترابطة في كثير من الأحيان. غير أنه قد يتحول إلى مصدر للتعثر عندما لا تكون المسؤوليات محددة بما يكفي.
من المسؤول عن تتبع كل هدف؟ وما الجهة المكلفة بالتنفيذ الفعلي؟ ومن يتدخل عندما تظهر عراقيل؟ وأي مستوى من مستويات القرار يتولى الحسم عندما ينشأ خلاف بين قطاعات حكومية متعددة؟
إن غياب أجوبة واضحة عن هذه الأسئلة قد يؤدي إلى تشتت المسؤولية، بحيث تتدخل عدة إدارات في أجزاء مختلفة من الملف، دون أن تكون هناك جهة مسؤولة بوضوح عن النتيجة النهائية.
لذلك، ينبغي أن تنطلق هندسة العمل الحكومي من مبدأ أساسي: كل أولوية استراتيجية يجب أن يكون لها مسؤول محدد عن تتبع تنفيذها، حتى عندما يتطلب تحقيقها تعاون عدة قطاعات.
ولا يعني ذلك بالضرورة إحداث وزارات جديدة أو إعادة هيكلة الحكومة بصورة مستمرة. فقد تكون إعادة تنظيم بعض الاختصاصات مفيدة في حالات معينة، لكنها ليست حلاً تلقائياً لمشكلات التنفيذ.
وقبل التفكير في تغيير البنية الحكومية، ينبغي تحديد مواطن تداخل الاختصاصات، والنقائص في الكفاءات، والإجراءات التي تتسبب في التأخير، والقرارات التي تتطلب تحكيماً على مستوى أعلى.
ففي بعض الحالات، قد يكون تحسين توزيع المهام كافياً. وفي حالات أخرى، قد تكون هناك حاجة إلى آليات تنسيق أقوى أو إلى مراجعة طريقة تدبير الملفات المشتركة.
والغاية ليست توسيع الهياكل الإدارية، بل جعل العمل العمومي أكثر وضوحاً وفعالية، وربط المسؤولية بالنتائج.
رابعاً: اللجان الوزارية المشتركة.. من التنسيق الإداري إلى اتخاذ القرار
عندما يرتبط تحقيق هدف معين بعدة قطاعات وزارية، يصبح التنسيق بينها أمراً ضرورياً. غير أن كثرة الاجتماعات لا تعني بالضرورة تحسن الأداء.
فاللجنة الوزارية المشتركة لا تكون فعالة إلا إذا استطاعت معالجة المشكلات التي تتجاوز اختصاص قطاع واحد، واتخاذ القرارات اللازمة، وتتبع تنفيذها على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق، يمكن تنظيم آليات التنسيق حول الأولويات الكبرى للبرنامج، مثل الحماية الاجتماعية، والتشغيل والتكوين، والماء والطاقة، والاستثمار والتنمية الاقتصادية، والحكامة الترابية والنزاهة في تدبير الشأن العام.
وينبغي أن تتوفر لكل لجنة مهام محددة، ومسؤول واضح، وبرنامج عمل مضبوط زمنياً. كما يجب أن تنتهي اجتماعاتها بقرارات مكتوبة تحدد الجهة المكلفة بالتنفيذ والأجل المطلوب.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين القرارات التي تم تنفيذها، وتلك التي لا تزال قيد الإنجاز، وتلك التي تواجه صعوبات تستدعي تدخلاً إضافياً.
وعندما تتجاوز إحدى المشكلات صلاحيات اللجنة، ينبغي إحالتها بسرعة على المستوى المختص لاتخاذ القرار المناسب.
من شأن هذه المقاربة أن تحد من تحول التنسيق الحكومي إلى عملية إدارية شكلية تتكرر فيها الاجتماعات دون أن تجد المشكلات العملية طريقها إلى الحل.
كما ستساعد على تحقيق التكامل بين السياسات العمومية. فإدماج الشباب في سوق الشغل، على سبيل المثال، لا يرتبط بقطاع التشغيل وحده، بل يتأثر أيضاً بالتكوين والاستثمار والتنمية الترابية وحاجيات المقاولات.
وبالتالي، ينبغي أن يكون التنسيق أداة لاتخاذ القرار وحل المشكلات، لا مجرد إجراء مؤسساتي.
خامساً: لوحة قيادة للحكامة.. كيف نعرف ما الذي تحقق فعلاً؟
كيف سيتمكن المواطن من معرفة مدى احترام الالتزامات الحكومية؟ وكيف تستطيع الحكومة اكتشاف التأخر قبل أن يصبح من الصعب تداركه؟
يقتضي الجواب اعتماد لوحة قيادة واضحة للحكامة، تتيح للمسؤولين تتبع التنفيذ، وتوفر للرأي العام معطيات مبسطة عن تقدم البرنامج.
وينبغي أن تتضمن هذه اللوحة، بالنسبة إلى كل أولوية، الأهداف المحددة، والنتائج المنتظرة، والآجال، والميزانيات المبرمجة، والنفقات المنجزة، ومستوى التقدم المحقق.
كما يجب أن تميز بين أربعة مستويات أساسية.
أولها يتعلق بالموارد المالية: هل تم توفير الاعتمادات المقررة وصرفها؟
وثانيها يرتبط بالإنجازات: هل أُنجزت فعلياً البنيات التحتية أو برامج التكوين أو التدابير المعلن عنها؟
أما المستوى الثالث فيتعلق بالنتائج المباشرة: هل تحسنت أوضاع المستفيدين؟ وهل تمكن الشباب من الحصول على فرص عمل؟ وهل تحسن الولوج إلى الخدمات العمومية؟
ويهم المستوى الرابع الآثار الأبعد مدى: هل ساهمت السياسات المنفذة في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز فرص التنمية؟
وتكتسي هذه التفرقة أهمية كبيرة، لأن قطاعاً حكومياً قد يستنفد ميزانيته دون أن يحقق جميع الأهداف المسطرة. كما أن بعض السياسات تحتاج إلى وقت قبل أن تظهر آثارها بصورة واضحة.
لذلك، ينبغي ألا تقتصر لوحة القيادة على المؤشرات المالية أو عدد المشاريع المنجزة، بل يجب أن تجمع بين المعطيات المالية ومؤشرات الإنجاز والنتائج والأثر.
ومن الضروري أيضاً تفصيل النتائج بحسب الجهات، وبحسب الوسط الحضري أو القروي، والفئات السكانية المعنية، كلما توفرت المعطيات اللازمة لذلك.
فالمؤشرات الوطنية العامة قد تخفي تفاوتات مهمة بين المناطق. وقد تحقق سياسة معينة نتائج إيجابية على المستوى الوطني، في حين تظل بعض المناطق أو الفئات خارج دائرة الاستفادة الفعلية.
ولتسهيل القراءة، يمكن اعتماد نظام مبسط بالألوان يميز بين الأهداف المحققة، والأهداف التي تسير وفق المسار المتوقع، والأهداف المتأخرة، والملفات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً.
لكن قيمة لوحة القيادة تظل مرتبطة بمدى موثوقية المعطيات وتحيينها وإمكانية التحقق منها. فلا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أداة للتواصل تعرض النتائج الإيجابية وتتجاهل الصعوبات.
إن وظيفتها الأساسية هي الكشف المبكر عن الاختلالات حتى يتسنى تصحيحها في الوقت المناسب.
سادساً: التتبع والتقييم.. تصحيح الاختلالات قبل فوات الأوان
لا ينبغي أن يقتصر تتبع البرنامج الحكومي على إعداد حصيلة في نهاية الولاية. فعندما يتم اكتشاف التأخر سنة 2031، قد يكون الوقت قد فات لمعالجة الأسباب التي أدت إليه.
لذلك، يتعين اعتماد منظومة منتظمة للتتبع تسمح برصد الصعوبات منذ ظهورها.
ويمكن أن تقوم هذه المنظومة على مستويات متكاملة.
فعلى المستوى الشهري، تتولى الإدارات المعنية تتبع تقدم المشاريع والعمليات ورصد العراقيل التي تواجه التنفيذ.
وعلى المستوى الفصلي، يتم تقييم تقدم الأولويات الرئيسية، ومقارنة النتائج بالأهداف المحددة، واتخاذ التدابير التصحيحية اللازمة.
أما مرتين في السنة، فيمكن تنظيم مراجعة استراتيجية لتدارس الصعوبات التي تتجاوز اختصاص قطاع وزاري واحد، واتخاذ القرارات المناسبة بشأنها.
وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي إصدار تقرير سنوي للعموم يعرض مستوى التقدم المحقق، والتأخر المسجل، والنفقات المنجزة، والأهداف التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من العمل.
وفي منتصف الولاية، يصبح من الضروري إجراء تقييم أعمق لمعرفة ما إذا كانت السياسات المعتمدة تحقق النتائج المنتظرة، وما إذا كانت بعض الاختيارات تحتاج إلى تعديل.
كما يسمح التقييم النهائي باستخلاص الدروس من التجربة، والتمييز بين الأهداف المحققة، والنتائج الجزئية، والالتزامات التي لم يتم الوفاء بها.
ومن المهم هنا التمييز بين التتبع والتقييم. فالتتبع يجيب عن سؤال: هل تسير الإجراءات والمشاريع وفق الجدول الزمني المحدد؟ أما التقييم فيبحث في سؤال أعمق: هل تحقق هذه الإجراءات النتائج المطلوبة؟ وبأي تكلفة؟ ولصالح من؟
وهذا التمييز ضروري للانتقال من منطق احترام الإجراءات الإدارية إلى منطق قياس الأداء والنتائج.
سابعاً: العدالة المجالية.. كيف نضمن استفادة جميع الجهات؟
لا يمكن اعتبار التنمية الاقتصادية والاجتماعية ناجحة بالكامل إذا ظلت ثمارها مركزة في عدد محدود من المناطق.
ويولي البرنامج الحكومي أهمية للجهوية، ويتضمن، وفق الالتزامات المعروضة، هدفاً يتعلق برفع التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027.
غير أن تحويل الموارد المالية إلى الجهات لا يكفي وحده لضمان تنمية ترابية متوازنة.
فنجاح هذه العملية يتطلب وجود مشاريع جاهزة وقابلة للتنفيذ، وكفاءات إدارية قادرة على تدبيرها، وآليات واضحة لتتبع استعمال الموارد وتقييم النتائج.
كما ينبغي مراعاة اختلاف حاجيات المجالات الترابية. فمتطلبات المدن الكبرى ليست هي نفسها متطلبات الجماعات القروية التي قد تواجه صعوبات في الولوج إلى الماء أو العلاج أو النقل أو فرص الشغل.
ولهذا، ينبغي أن تتيح منظومة تتبع البرنامج معرفة النتائج المحققة في كل جهة، ومقارنة التقدم المسجل مع مراعاة الاختلاف في الظروف والإمكانات عند الانطلاق.
ويسمح ذلك بتحديد الجهات التي تحقق تقدماً سريعاً، والمناطق التي تواجه صعوبات، والحالات التي تستدعي مواكبة إضافية.
كما يساعد على توجيه الموارد العمومية نحو الحاجيات الأكثر إلحاحاً.
فالعدالة المجالية لا تعني بالضرورة توزيع الموارد نفسها على جميع المناطق، بل تعني توفير الإمكانات اللازمة حتى تتمكن مختلف المجالات الترابية من الولوج إلى خدمات ذات جودة والاستفادة من فرص التنمية.
ثامناً: استباق الآثار غير المقصودة للسياسات العمومية
قد تحقق سياسة عمومية بعض أهدافها المعلنة، لكنها تنتج في الوقت نفسه آثاراً جانبية لم تكن متوقعة.
فقد يؤدي ضعف استهداف الدعم الاجتماعي إلى إقصاء أسر تستحق الاستفادة، أو إلى أخطاء في تحديد المستفيدين. وقد يرفع برنامج للتكوين عدد الأشخاص الحاصلين على شهادات أو مهارات جديدة، دون أن تتوفر فرص شغل كافية لاستيعابهم.
كما يمكن إنجاز بنية تحتية دون توفير الموارد البشرية والمالية الضرورية لتشغيلها وصيانتها.
وبالمثل، فإن أي إجراء يرمي إلى تسهيل ولوج المقاولات الصغيرة إلى الصفقات العمومية ينبغي أن يوسع فرصها فعلياً، مع الحفاظ على جودة الخدمات والمنافسة والشفافية في إسناد الصفقات.
ولا تعني هذه المخاطر التخلي عن السياسات المعنية، بل تؤكد ضرورة تصميمها بعناية وتتبع آثارها الفعلية، وليس الاكتفاء بقياس نتائجها المباشرة.
ولهذا، ينبغي إخضاع كل إجراء رئيسي لستة أسئلة أساسية: هل هو فعال؟ هل يمكن تنفيذه عملياً؟ هل تكلفته مستدامة؟ هل يحظى بقبول الفئات المعنية؟ هل توزع فوائده بشكل منصف؟ وما الآثار السلبية المحتملة التي قد تترتب عنه؟
من شأن هذه المقاربة أن تساعد على اكتشاف الاختلالات مبكراً، وتعديل البرامج قبل تعميمها أو استمرارها بتكلفة مرتفعة.
كما تساهم في تحسين استخدام المال العام، من خلال مراجعة التدابير التي لا تثبت فعاليتها بدل الاستمرار فيها دون تقييم موضوعي.
تاسعاً: الشفافية.. أساس تعزيز الثقة في العمل الحكومي
لا ترتبط جودة الحكامة بالتنظيم الداخلي للإدارة فقط، بل تتوقف أيضاً على قدرة المواطنين على فهم القرارات العمومية وتتبع الالتزامات التي يتم اتخاذها باسمهم.
فالنشر المنتظم لمعطيات واضحة ومفهومة حول النتائج المحققة يمكن أن يعزز الثقة في المؤسسات، ويساعد المواطنين ووسائل الإعلام والباحثين والفاعلين الاقتصاديين على تقييم التقدم المسجل والصعوبات القائمة.
وتقتضي هذه الشفافية عرض النجاحات والتأخيرات معاً، وتوضيح النفقات والنتائج، والتمييز بين الأهداف التي تم تحقيقها وتلك التي لا تزال قيد التنفيذ.
كما ينبغي التمييز بين الإعلان السياسي عن إجراء معين، وتوفير الاعتمادات اللازمة لتمويله، وتنفيذه فعلياً على أرض الواقع.
ويمكن للمجلس الأعلى للحسابات ومؤسسات الرقابة الأخرى أن تساهم في هذه الدينامية، كل في حدود اختصاصاته القانونية. ويظل دورها مكملاً لمسؤولية الحكومة عن قيادة التنفيذ وتدبير البرامج، من خلال مراقبة تدبير الموارد العمومية وتقييم الأداء وفق المهام المخولة لها.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي التعامل مع الشفافية باعتبارها عبئاً إدارياً إضافياً، بل كوسيلة لتحسين القرار العمومي وتعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة.
خاتمة: جعل التنفيذ أولوية الحكامة خلال المرحلة المقبلة
يتناول البرنامج الحكومي 2026-2031 قضايا أساسية لمستقبل المغرب، لكن قيمته الحقيقية ستتحدد بمدى القدرة على تحويل الالتزامات المعلنة إلى تحسينات ملموسة وقابلة للقياس ومستدامة.
ويتطلب ذلك توفير تمويل واضح لكل هدف، وتحديد المسؤوليات بدقة، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية، واعتماد مؤشرات موثوقة لقياس النتائج، وتنظيم تتبع منتظم يسمح بتصحيح التأخر والاختلالات.
كما يقتضي الحرص على أن تصل ثمار السياسات العمومية إلى مختلف فئات المجتمع، وأن تستفيد منها الجهات والمناطق التي تحتاج إلى دعم أكبر.
ولا تستدعي هذه المتطلبات بالضرورة إحداث هياكل جديدة أو توسيع الجهاز الإداري. إنها تتطلب، قبل كل شيء، تنظيماً أوضح، وقرارات أكثر فعالية، ومسؤولية محددة في كل مستوى من مستويات العمل العمومي.
ويظل من الضروري أيضاً تطوير الثقافة الإدارية، بالانتقال من التركيز على الإجراءات والاعتمادات المالية إلى الاهتمام بالنتائج الفعلية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وفي نهاية المطاف، يمكن صياغة الاختبار الحقيقي للبرنامج في أسئلة بسيطة: هل ستصبح فرص الشغل أكثر إتاحة؟ وهل ستتحسن جودة الخدمات العمومية؟ وهل ستصبح الحماية الاجتماعية أكثر استدامة؟ وهل ستستفيد مختلف المناطق من تجهيزات وفرص تنموية أفضل؟
بهذا المعيار ينبغي تقييم البرنامج الحكومي 2026-2031: ليس فقط بحجم الطموحات التي يعلنها، بل بقدرته على تحسين حياة المغاربة بصورة ملموسة.
