ينما تكسر القطارات فائقة السرعة حاجز الزمن لتربط الحواضر الكبرى، لا تزال عربة التنمية في الهوامش عالقة في وحل البيروقراطية وضعف الكفاءة المحلية. إن المشكلة في المغرب اليوم لم تعد في ماذا نخطط، بل في كيف نُنفذ؛ فخلف بريق الاستراتيجيات الكبرى المنسوجة في مكاتب الرباط، تكمن حقيقة مرة: سرعة مركزية تكنوقراطية لا تجد لها صدى في إيقاع ‘التراب’ المترنح، مما يضعنا أمام السؤال الوجودي: هل نبني دولة بمحركين منفصلين، أم أننا بصدد تعميق فجوة قد تبتلع ثمار كل الإصلاحات؟
على مدار العقدين الماضيين، انخرط المغرب في طفرة تنموية مشهودة، ترجمتها استثمارات ضخمة في البنيات التحتية واستراتيجيات قطاعية طموحة. غير أن المتأمل في العمق السوسيولوجي لهذه الدينامية يلحظ مفارقة حادة؛ فنحن أمام “مغرب بسرعتين” كما جاء على لسان عاهل البلاد: سرعة مركزية تكنوقراطية تمتلك أدوات التخطيط والتمويل، وسرعة ترابية محلية لا تزال تكابد اختلالات بنيوية مزمنة. إن هذا التفاوت ليس مجرد خلل تقني، بل هو مأزق حكامة يهدد بتآكل الرأسمال الأسمى للدولة: الثقة المؤسسية.
المسام المسدودة: أزمة التتبع والتقييم
تكمن المعضلة الجوهرية في غياب قائمين على الشأن العام يؤمنون بأن السياسة العمومية لا تنتهي عند عتبة “التدشين”، بل تبدأ من “الأثر”. إن غياب آليات التتبع والتقييم المستمر للسياسات القطاعية جعل الكثير من البرامج الوطنية تبدو كجزر معزولة عن محيطها المحلي. فالمواطن في أقاصي الأقاليم لا يهمه حجم الميزانية المرصودة في العاصمة بقدر ما يهمه أثرها الملموس على جودة تعليمه وصحته وكرامته. هذا الانفصال ناتج عن غياب رؤية استراتيجية قادرة على خلق “التقائية” حقيقية بين ما هو قطاعي مركزي وما هو ترابي تشاركي.
القيادة بالمعطيات.. الحلقة المفقودة
لا يمكن الحديث عن قيادة استراتيجية ناجعة في ظل استمرار نمط اتخاذ القرار المبني على التقديرات العامة لا على “المعطيات الدقيقة والمحينة”. إن غياب بنك معلومات ترابي يوحد لغة المركز والمحيط يجعل التدخلات العمومية تفتقر للعدالة المجالية. فالقرار التنموي “الأعمى” الذي لا يستحضر الخصائص الديموغرافية والجغرافية لكل منطقة، ينتهي حتماً بإنتاج مشاريع “بيضاء” تستهلك الميزانيات دون أن تحرك عجلة التنمية المحلية.
عجز النخب وفراغ “الترافع“
بالموازاة مع قصور التخطيط المركزي، تبرز مسؤولية المجالس الترابية المنتخبة كحلقة ضعيفة في سلسلة التنمية. تعاني هذه المجالس من عجز بنيوي في مواكبة إيقاع التخطيط الوطني؛ فهي لا تفتقر فقط للكفاءات القادرة على إعداد وتنفيذ شراكات متعددة الأطراف قابلة للإنجاز، بل تفتقر أيضاً لـ “الروح الترافعية”. فالنخبة المحلية مطالبة اليوم بالكف عن دور “المتلقي” السلبي، والتحول إلى “مهندس ترابي” يمتلك مشاريع ترافعية قادرة على إقناع المركز بجدواها وجذب الاستثمارات لسد الخصاص المحلي.
نحو تعاقد تنموي جديد
إن الخروج من نفق “المغرب بسرعتين” يتطلب ثورة هادئة في المفاهيم. المطلوب هو انتقال حقيقي نحو حكامة “الوصل”؛ حكامة تربط التمويل بالنتائج، وتجعل من “التقييم المستقل” مسطرة إجبارية لكل ورش تنموي. كما أن تأهيل النخب المحلية لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لضمان التقائية السياسات العمومية.
إن الرهان الحقيقي للمغرب اليوم ليس في صياغة المزيد من الاستراتيجيات، بل في بناء جسور الثقة عبر نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في “المغرب العميق” بنفس القدر الذي يشعر بها القاطن في الأقطاب الكبرى. فالدولة القوية هي تلك التي تتحرك كافة أطرافها بنفس الإيقاع، وفي اتجاه واحد: تنمية الإنسان والمجال.
