مقدمة
يقدم المشهد الثقافي المغربي مفارقة لافتة: وفرة في التعبير تقابلها ندرة في التفكير. إنه عصر «التخمة المعرفية»، حيث يغرق الفرد في سيل لا ينقطع من الأخبار والتحليلات، دون أن تتطور لديه القدرة على التمييز النقدي. غير أن هذه المفارقة ليست ظاهرة عابرة، بل نتاج تراكمات تاريخية مسّت العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين المثقف والمجال العمومي.
لقد أتاحت الثورة الرقمية إمكانية غير مسبوقة للتعبير، فتحوّل أي صوت إلى مصدر وأي رأي إلى «تحليل» بمجرد انتشاره. لكن هذا الاتساع الكمي لم ينتج تعميماً نوعياً في الوعي، بل خلق ضباباً رمزياً جعل الحقيقة نفسها عرضة للتشظي. فلم تعد المعلومة سلعة نادرة، بل أصبح النقص الحقيقي هو القدرة على غربلتها. وهنا تكمن المفارقة: كلما تضاعفت قنوات المعرفة، ازداد خطر تحوّل الفكر إلى ردود أفعال متسرعة.
والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الحالة لا تقتصر على المجال الشعبي، بل تمتد إلى النخبة الثقافية ذاتها، حيث انخرط جزء من النخبة المثقفة، أو الإنتلجنسيا في التداول السريع بدل المساءلة، وفي إعادة إنتاج اللغة السائدة بدل تفكيكها. فالمشكلة ليست في كثرة المعلومات، بل في غياب بنية نقدية تحول هذه الوفرة إلى معرفة منتجة.
انطلاقاً من ذلك، يسائل هذا التحول الذي نقل المثقف المغربي من موقع الفاعل المنتج للمعنى إلى موقع الخبير التقني أو المتفرج الحذر. ونتساءل: هل «الميديوقراطية» كنظام للرداءة مجرد انحراف ظرفي، أم نتيجة مسار طويل أعاد تشكيل العلاقة بين الفكر والمجتمع؟
جينالوجيا التحول: من المثقف المقاوم إلى المثقف الحذر
في مرحلة سابقة، كان المثقف المغربي جزءاً من اقتصاد رمزي يقوم على فكرة «الرسالة»، حيث حمل الفعل الثقافي بعداً تحررياً وجمالياً معاً. غير أن هذا الأفق اصطدم بحدود سياسية، خاصة مع «سنوات الرصاص»، التي لم تكتف بإسكات أصوات معينة، بل أسست لوعي جماعي أكثر حذراً تجاه كلفة الالتزام. نشأت عقلانية جديدة قوامها التكيف والاحتراز، جعلت القرب من المؤسسة رأس مال بديلاً عن الجرأة الفكرية.
لكن استحضار هذه المرحلة لا يعني الانزلاق نحو النوستالجيا. فـ«المثقف المقاوم» في الماضي ظل في كثير من الأحيان نخبوياً في أدواته، محدود التأثير، وصلته بهموم المواطن العادي لم تكن بتلك الشفافية المتخيلة. مع نهاية القرن العشرين، ساهمت لحظة التوافق السياسي في إعادة صياغة الممارسة النقدية، حيث تحول النقاش من التساؤل القيمي إلى التدبير التقني، وحضرت لغة «الحكامة» والمؤشرات الدولية بدل تفكيك الخطاب السياسي.
هذا التحول لم يلغ النقد، لكنه أعاد توجيهه نحو تحسين الأداء بدل مساءلة البنيات، مما حدّ من قدرة النخب على بناء مشروع نقدي متماسك.
الميديوقراطية: نظام الرداءة كنتاج تراكمي
في هذا السياق، لا نفهم الميديوقراطية كحكم أخلاقي على الأفراد، بل كنظام رمزي يميل إلى تفضيل الاعتدال الآمن على الجرأة الفكرية، ويكافئ الامتثال أكثر مما يشجع الاختلاف. إنها ليست خطأ عارضاً، بل منطق عمل. تتجلى عبر سياسات تعيد إنتاج فاعلين يتقنون لغة التدبير أكثر من لغة الرؤية النقدية، وفي أزمة تعليم تكرس أنماطاً خطابية سطحية، وفي اقتصاد انتباه يقيس قيمة الخطاب بسرعته لا بعمقه.
الحكامة السيميائية وإدارة المعنى
في خضم تقلبات المجال العمومي المغربي، لم تعد الحكامة مقتصرة على تدبير المؤسسات، بل امتدت إلى مستوى أعمق: تدبير المعاني ذاتها. يمكن تسمية ذلك بـ«الحكامة السيميائية»، أي النسق غير المرئي الذي يحدد ما يُقال، وكيف يُقال، ومن يملك حق إنتاج الدلالة داخل الفضاء الرمزي.
لا يُدار المجال العمومي عبر القوانين والهياكل فحسب، بل عبر شبكات خطابية تعيد ترتيب الأولويات. تمنح بعض السرديات قابلية التداول، وتدفع أخرى نحو الهامش أو التدوير. ومن هذا المنظور، لم يعد المثقف مجرد جزء من منظومة تداول المعنى، بل صار في قلب اللعبة الرمزية، حيث تتقاطع سلطات الإعلام والسياسة والسوق الثقافية لإعادة تعريف «النقد المشروع».
من ثم، لا تعمل الحكامة السيميائية كآلية قمعية مباشرة، بل كمنطق ناعم يعيد تشكيل أفق التوقعات. يتحول النقاش العمومي تدريجياً من مساءلة البنيات العميقة إلى تحسين صورها الظاهرة. لم يعد الرهان على من يملك السلطة المؤسسية فقط، بل على من يمتلك القدرة على توجيه الرموز داخل اقتصاد المعنى. يصبح الصراع حول الفكر النقدي صراعاً حول تعريف الواقع ذاته.
هيمنة التدفقات العابرة للحدود
لا يُفهم المشهد النقدي المغربي اليوم بمعزل عن انخراطه في سوق معرفية عالمية. مع تصاعد تمويل المؤسسات الدولية لبرامج بحثية ومشاريع مجتمع مدني محددة وممنهجة، ظهرت «نخبة خبيرة» تتقن لغة المشاريع والتقييم بلغة أجنبية — الفرنسية غالباً — أكثر من إتقانها لغة النقد الجذري.
لا يعني ذلك فقدان النزاهة الفكرية، لكنه قد يعيد توجيه الفضول العلمي نحو مواضيع «قابلة للتمويل»، كالنوع الاجتماعي والهجرة والحوكمة، على حساب قضايا محلية قد تكون أكثر إلحاحاً. كما أن هجرة الأدمغة لم تعد مجرد «مغادرة»، بل صارت دائرة معقدة من «العودة المؤقتة» والاستشارات عن بعد، مما يخلق نخبة طيارة تعيش خارج أسئلة المجتمع اليومي.
الأحزاب والمؤسسات الوسيطة: تحولات في الدور والوظيفة
سبق أن نبّه عدد من الباحثين إلى أن التنظيمات الحزبية انتقلت تدريجياً من فضاءات لإنتاج الأفكار إلى هياكل انتخابية، مما قد يفسر تراجع حضور المثقف المنظر داخلها. هذا لا يعني غياب الفكر، لكنه يعكس تغيراً في أولويات الفعل السياسي.
في سياق موازٍ، ومع تراجع أدوار الوسائط التقليدية، أدى توسع الخطاب الدعوي في الفضاء الرقمي إلى إعادة تشكيل مصادر الشرعية الرمزية. باتت أصوات «قطعية» تقدم أجوبة يقينية سريعة، مقابل خطاب نقدي معقد وبطيء. يجد هذا الخطاب اليقيني تربة خصبة في جمهور يعاني إحباطات اجتماعية واقتصادية.
واليوم، تواجه مؤسسات ثقافية ومهنية تحديات مرتبطة بالتجديد الداخلي ومواكبة التحولات الرقمية. نقابات وأندية ثقافية واتحادات مهنية كانت مختبرات للتفكير، تحولت إلى آلات للدفاع عن المكتسبات أو فضاءات للمحاصصة.
مسؤولية المثقف: بين الصمت الاستراتيجي واقتصاد الامتيازات
مع ذلك، لا نفسر التحول عبر البنيات الخارجية فقط. ساهم اقتصاد الامتيازات الرمزية — مؤتمرات، استشارات، مواقع اعتبارية — في خلق توازنات دقيقة قد تجعل النقد الحاد خياراً محفوفاً بالمخاطر المهنية. قد يُفهم الصمت هنا كاستراتيجية وجودية أكثر من كونه تخلياً أخلاقياً.
مع تأثير المؤسسات الدولية وبرامج الإصلاح، يُستدعى المثقف كخبير تقني. منح هذا بعض النخب نفوذاً جديداً، لكنه قلص مساحة الخطاب القيمي لصالح لغة المؤشر والتقييم. المثقف الذي كان يُنتظر منه أن يقول «لا» أو «لماذا»، صار مطلوباً منه الإجابة عن «كيف» بأدوات جاهزة.
تبدو هجرة الكفاءات تعبيراً عن البحث عن فضاءات بحثية أكثر دعماً، مما يترك أثراً على الحيوية الفكرية المحلية. حين يغادر الباحثون الشباب الأكفاء، يخسر المشهد الثقافي طاقته التجديدية.
الفضاء الجامعي المغربي: بين البيروقراطية والانفصال الرمزي
كان يُنتظر من الجامعة أن تكون مختبراً للنقد، غير أن ثقل البنيات الإدارية ومحدودية التمويل جعلاها أقرب إلى مؤسسة تنظيمية، تساهم فيها الهياكل الهرمية الصلبة في إعادة إنتاج النخب نفسها، مما يحد من التجديد والابتكار. فقد أضحت الجامعة منتجة للعمالة لسوق الشغل أكثر من إنتاج الوعي النقدي.
يعيش الباحث الشاب مفارقة معقدة: بين الامتثال لقواعد الاستمرار الأكاديمي، والبحث عن فضاءات خارجية أكثر اعترافاً بجهده. يقلص ضعف التواصل بين الجامعة والمجتمع أثر المعرفة الأكاديمية في النقاش العمومي. تنتج الجامعة معرفة، لكنها نادراً ما تصل إلى المواطن العادي أو صانع القرار. فالمعرفة موجودة، لكن الجسر مفقود.
سوسيولوجيا النخبة المثقفة وإعادة إنتاج الامتيازات
ما ينقص هذا التشخيص هو مقاربة سوسيولوجية أكثر حدة لـ «من هو المثقف اليوم؟».
لم يعد المجتمع المغربي إزاء نموذج واحد، بل سوسيولوجيا مركبة لإنتاج النخب. فهناك المثقف السياسي المحترف الذي هجر التنظير لصالح التدبير الحزبي، والمثقف الأكاديمي الذي تحولت أطروحاته إلى شهادات للترقية أكثر من كونها أدوات لتغيير الواقع، والمثقف الاستشاري أو الخبير الذي يتقن لغة المؤسسات المانحة والتنقل بين ورشات العمل الدولية، وأخيراً المثقف الرقمي الجديد الذي يصنع خطابه خارج المؤسسات.
هذا التشرذم لا يعكس تنوعاً بقدر ما يعكس تفاوتاً في رأس المال الرمزي والاقتصاد المعرفي. المؤتمرات والمناصب الاستشارية والجوائز تدور في فلك نخبة محدودة، مما يعيد إنتاج «اقتصاد الامتيازات» ذاته، ويخلق قطيعة رمزية مع الأصوات النقدية الناشئة في الهامش.
الفضاءات النقدية الجديدة: ما تراه العين وما تغفله
لا يُفهم المشهد الثقافي المغربي دون الانتباه إلى الفضاءات النقدية الجديدة خارج المؤسسات التقليدية. السينما المغربية تقدم نقداً اجتماعياً وسياسياً لاذعاً تتحاشاه الخطابات الرسمية. المسلسلات التلفزيونية، رغم محدودياتها، تطرح أسئلة عن الهوية والسلطة والجنس بجرأة نادرة في النقاشات الأكاديمية. وفي المشهد الموسيقي، أصبح الراب والموسيقى البديلة منابر لنقد اجتماعي يومي بلغة الشارع وبهموم المواطن العادي. على منصات التواصل، تتحول الصفحات الساخرة والميمات إلى أدوات لتفكيك الخطاب الرسمي وكشف تناقضاته. تمثل هذه الفضاءات تحدياً للمثقف التقليدي، أمام جمهور يتلقى خطاباً نقدياً بلغة يفهمها. إنها تربة خصبة لولادة «مثقف جماعي» جديد، غير نخبوي وقريب من الناس.
انفجار المعنى وتفكك السرديات الكبرى
إذا كان اقتصاد الانتباه أعاد تشكيل طرق تداول الخطاب، فإن ما نشهده يتجاوز تسارع الإيقاع الإعلامي إلى «انفجار المعنى». تتكاثر العلامات حتى يفقد الخطاب قدرته على إنتاج سردية جامعة. التضخم الهائل في التعبير لا يعني ازدهار التفكير؛ بل قد يعكس انهيار البنيات الرمزية التي كانت تمنح المعنى استقراره التاريخي. وقد تحولت السرديات الكبرى التي كانت تؤطر النقاش العمومي — مشروع التحديث، خطاب الهوية، لغة الالتزام السياسي — إلى فسيفساء من المواقف الجزئية تتنازعها منصات رقمية تبحث عن الأثر السريع.
هذا الانفجار لا يخلق فراغاً معرفياً فحسب، بل يعيد صياغة علاقة الفرد بالحقيقة. يصبح المعنى مؤقتاً وقابلاً للتبدل، ويتحول النقد من مشروع فكري طويل النفس إلى رد فعل لحظي. يجد المثقف نفسه أمام مفارقة: كلما اتسعت مساحة التعبير، تضاءلت إمكانية بناء خطاب نقدي متماسك.
وهم البديل —حدود الفضاءات الرقمية والفنية
لا ينبغي أن يحجب الانبهار بهذه الفضاءات إشكالياتها البنيوية. الراب والسينما المستقلة والصفحات الساخرة، حتى التافهة منها، أصبحت منابر لنقد يومي، لكن السؤال: هل تنتج خطاباً نقدياً متماسكاً وقابلاً للتراكم، أم تظل أسيرة «اقتصاد الانتباه»؟
في عالم المنصات الرقمية، تقاس قيمة الخطاب بسرعة انتشاره ودرجة صدمته، لا بعمقه التحليلي وقدرته على بناء وعي جمعي. هذه الفضاءات ليست بمنأى عن أشكال جديدة من الرقابة: ضغط غير مباشر على المنصات، قوانين تنظيمية، تحويل الزخم الثوري إلى محتوى تجاري.
السخرية وحدها، حين تتحول إلى غاية، قد «تُفرغ» الغضب الشعبي في قالب استهلاكي عابر. التحدي هو كيف تتصالح هذه الطاقات النقدية مع العمق النظري، وكيف يتواصل الهامش مع المركز دون أن يفقد حدته.
إمكانات النهوض: نحو مثقف جماعي متعدد اللغات
يمتد التحول إلى البنية اللغوية للحقل الثقافي. فالتعدد اللساني في المغرب، رغم ثرائه، يخفي تسلسلاً هرمياً معرفياً صارماً: لغة للسلطة، وأخرى للعلم، وثالثة للتخاطب اليومي. هذا الوضع يحول النقاشات إلى جزر منعزلة، ويعيق بناء خطاب نقدي موحد.
ومع ذلك، تظهر ملامح «مثقف جماعي» جديد عبر التعاون بين صحفيين وباحثين وفنانين في الفضاء الرقمي. لا ينتظر هذا المثقف الناشئ الاعتراف من المؤسسات، بل يخلق فضاءاته الخاصة، ويخاطب الجمهور بلغات متعددة: بالفصحى والدارجة والأمازيغية، وبالصورة والصوت والكلمة. السخرية السياسية، رغم بساطتها، تؤدي دوراً تفكيكياً عبر مساءلة الخطاب السلطوي.
غير أن أي نهوض بالفكر النقدي يبقى رهيناً بمعالجة إشكاليتين بنيويتين: الأولى، المعركة الاجتماعية ضد الأمية والفقر الثقافي، فلا ديمقراطية ثقافية دون سياسات عمومية تضمن وصول المعرفة للجميع. الثانية، إعادة الاعتبار للغة كوعاء للعدالة المعرفية، عبر بناء جسور حقيقية بين اللغات والاعتراف بالدارجة والأمازيغية كلغات قادرة على إنتاج المعرفة النظرية. إنها معركة استعادة اللغة من قبضة «الخبراء» وجعلها أداة للتحرر الرمزي.
الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل موقع المثقف
تفتح التحولات الرقمية الراهنة، مع صعود الذكاء الاصطناعي، سؤالاً جديداً حول مستقبل المثقف. لم تعد هذه الأدوات وسائل مساعدة فقط، بل أضحت قادرة على إنتاج نصوص وتحليلات بسرعة غير مسبوقة. هل يظل المثقف صانع معرفة بالمعنى الكلاسيكي، أم يتحول إلى منسق للمعرفة يعيد تنظيم تدفق المعلومات؟
لا يعني حضور الذكاء الاصطناعي نهاية الفكر النقدي، لكنه يفرض إعادة تعريف شروطه. لا تقاس المعرفة بكمية ما يُنتج، بل بقدرة صاحبها على تأويل ما تنتجه الآلة وتفكيك انحيازاتها الخفية. قد يتحول المثقف من كاتب نصوص إلى مهندس دلالات، يخلق مسارات جديدة للفهم وسط فيض معرفي.
الرهان هنا مزدوج: هل سيستعيد المثقف دوره كضمير نقدي يوجه التقنية، أم سيندمج في منطقها دون مساءلة؟
استعادة الدينامية الداخلية: مسألة لغوية واجتماعية-اقتصادية
يبقى أي نهوض بالفكر النقدي رهيناً بمعالجة إشكاليتين بنيويّتين غالباً ما تُهمشان.
الأولى: المعركة الاجتماعية ضد الأمية والفقر الثقافي. كيف يمكن الحديث عن «مثقف جماعي» والمجتمع يعاني نسب أمية مرتفعة وانقطاعاً بين جيل الأكاديميين وجيل الشباب خارج الجامعة؟ لا تتحقق الديمقراطية الثقافية دون سياسات عمومية تضمن وصول المعرفة للجميع، وتكسر احتكار النخبة الحضرية لأدوات التحليل.
الثانية: إعادة الاعتبار للغة كوعاء للعدالة المعرفية. الوضع اللغوي في المغرب ليس مجرد تعدد، بل تسلسل هرمي صارم: لغة للسلطة والإدارة (العربية والفرنسية)، وأخرى للعلم والتأليف الأكاديمي (الفرنسية والإنجليزية)، وثالثة للتخاطب اليومي والفن (الدارجة والأمازيغية)، ورابعة للثابت الديني (العربية الفصحى). هذا التعدد، بدل أن يكون مصدر إثراء، يتحول أحياناً إلى أداة تفكيك، حيث تدور النقاشات في جزر منعزلة.
يتطلب تحديث الفكر النقدي بناء جسور لغوية حقيقية، والاعتراف بالدارجة والأمازيغية كلغات قادرة على إنتاج المعرفة النظرية، وترجمة النقاشات المتخصصة إلى لغات يسهل تداولها عمومياً. إنها معركة استعادة اللغة من قبضة «الخبراء» وجعلها أداة للتفكير الجماعي والتحرر الرمزي.
خاتمة: في انتظار ما لم يُفكر بعد
يتبين مما تقدم أن مأزق الفكر النقدي في المغرب ليس أزمة عابرة، ولا قدراً محتوماً. إنه لحظة تاريخية مركبة، الميديوقراطية فيها ليست انحرافاً ظرفياً، بل نتاج مسار طويل أعاد تشكيل العلاقة بين الفكر والسلطة.
لكن ملامح التغيير لا تتشكل حيث تُنتظر. فبينما تنشغل النخب التقليدية باستعادة الماضي أو رثاء الحاضر، تنبت في الهامش أشكال جديدة للتعبير النقدي: في الراب، والسينما المستقلة، والسخرية الرقمية. لا تطلب هذه الأشكال الإذن من أحد، لكنها تطرح سؤالاً على المثقف الكلاسيكي: هل تتعلم لغة الجمهور الجديدة، أم تظل أسير لغتك النخبوية؟
إن مسؤولية المثقف اليوم لا تقتصر على «قول الحق»، بل تمتد إلى ابتكار الأدوات التي تجعل هذا النقد مسموعاً. إنها دعوة إلى نقد «النقد» ذاته، ومساءلة مستمرة لامتيازاتنا ولغاتنا. فالمأزق الحقيقي لا يكمن في ندرة الأفكار، بل في عجز المؤسسات عن احتضانها، وفي تشظي المشهد داخل جزر لغوية لا تتواصل. ويبقى رهان النهوض معلقاً بقدرة الفاعلين على بناء جسور بين العمق النظري والوضوح التعبيري، بين اللغة المتخصصة واللغة الحية. ليس المطلوب أن يتنازل المثقف عن تعقيد رؤيته، بل أن يتقن فن الترجمة.
فلعل ما نعيشه ليس نهاية الفكر النقدي، بل مخاض ولادة صيغة جديدة له. صيغة تنتظر من يكتبها، ليس من أعلى، بل من داخل تعقيد الراهن.
فما نعيشه اليوم لا يشبه مجرد فوضى رمزية عابرة، بل أقرب إلى «فوضى سيميائية منظَّمة»، حيث تتحول العلامة البينية — التي كانت فضاءً للاحتكاك الخلاق والاحتجاج المعرفي — إلى ضجيج تقني يبدد المعنى بدل أن يخلقه. في هذا السياق، يصبح المثقف المغربي مدعواً إلى استعادة المثلث السيميائي كأداة قراءة وترتيب، لا لفهم الواقع فقط، بل لإعادة بناء سلّم الأولويات وسط ركام التفاهة الذي تحاول الميديوقراطية تقديمه كقدر لا يُناقش.
وهذا وحده سبب كافٍ لنفكّر وننتقد.
